منوعات

من حلم الباشا إلى ملاذ البسطاء.. قصة القناطر الخيرية من مجرى مائي إلى وجهة ترفيهية

لو عدنا بالزمن الى اربعينات القرن التاسع عشر، ووقفنا في تلك البقعة التي نذهب اليها اليوم لنستريح على العشب او نركب المراكب الشراعية ، لن تجد سوى مجرى مائي فسيح واراض هادئة ، ورجل يرتدي زي الحكام ويفكر بعمق امام النيل .. ذلك الرجل كان محمد علي باشا .

في ذلك الوقت ، كانت الزراعة في مصر تعتمد على نظام” الفيضان “؛اى ان الارض تنتظر الماء مرة واحدة في السنة لتزرع ،وتظل بقية العام بلا زرع . لكن الباشا كان يحلم بتحويل مصر الى بلاد يزرع ويحصد طوال العام . ولتحقيق هذا الحلم كان علية ان يفعل شيئا يتحدى الطبيعة بمقاييس عصره : ان يبني سدا ضخما عند نقطة تفرع النيل الى فرعية (رشيد ودمياط) ليحجز المياه ويرفع منسوبها فتتوزع بسهولة على اراضي الدلتا ،ويوزعها صيفا على الرياحات الرئيسية الثلاثة : المنوفي ،التوفيقي ،والبحيري .

عرق الفلاحين وذكاء المهندس

بدأ البناء الفعلي عام 1847 ، واستمر سنوات طويلة تحت اشراف المهندس الفرنسي “مويل بك” ، وبايدي عشرات الآلآف من الفلاحين المصريين الذين حفروا ونقلوا الحجارة بعرقهم، وتذكر الكتب التاريخية طرفة غريبة وهي ان محمد على من شدة حماسه ورغبته في الانجاز اقترح هدم اهرامات الجيزة واستخدام حجارتها لبناء القناطر لكن المهندس اقنعه بذكاء ان تكلفة قطع حجارة جديدة  من المحاجر ارخص بثير من نقل حجارة الاهرامات ، فانقذ واحدة من عجائب الدنيا .

توفى محمد على قبل ان يرى المشروع يعمل بكامل طاقتة وافتتحت القناطر رسميا في عهد الخديوى سعيد ، وفى ذلك الوقت ، لم تكن مجرد سد عادي بل كانت تصنف كأعظم مشروع هندسي للري في العالم.

 

كيف تحولت الهندسة الى حديقة ؟

مع مرور الايام ، ولأن المنطقة المحيطة بالمشروع كانت تتمتع بطبيعة ساحرة ونسيم هادئ ، بدا الحكام يلتفتون لجمالها، بنيت فيها استراحات ملكية ، وجلبت اليها اشجار  ونباتات نادرة من مختلف دول العالم لتتحول الى حدائق استوائية شاسعة .

ومع العقود تحولت القناطر من مجرد “منشأة هندسية لتقسيم المياه” الى رمز البهجة والفسحة الشعبية أصبحت المكان الذي يقصده البسطاء في الأعياد والعطلات ، يفترشون حدائقها ويتنزهون على جسورها الحجرية ذات الطابع المعماري الفريد.

القناطر اليوم

مع تقادم الزمن وبسبب الخوف على الاحجار التاريخية من الضغط ، اُنشأت “قناطر جديدة “بالقرب منها لتقوم بمهمة توزيع المياه، بينما تحولت “القناطر القديمة ” الى اثر معمارى ممتد فى قلب النيل ، وشاهد حي على عبقرية المكان .

القناطر الخيريه ليست مجرد حجارة تمسك الماء بل هي قصة تحول حلم هندسي في عقل حاكم الى ذاكرة دافئة في قلوب ملايين المصريين .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى